02
يوليو
  • الحلقة السادسة: حكايتي باختصار
  • المدون: الحياة الجديدة | كتب في: 02-07-2013
  • في البداية ، كانت تلك الكتلة الغريبة في الثدي الأيسر . كتلة قاسية لا بأس بحجمها .. لابأس به على الإطلاق ! أدخل يدي تحت قميصي ، أتحسسها بقلق لا مبالي ! لا يمكن أن يكون سرطاناً .. هذه أمور تحدث للآخرين فقط . وفي داخلي يهتف صوت ضعيف : وماذا لو كنتُ في هذه الحادثة بالذات من الآخرين؟ مرت الأيام سريعة .. أَخرج لكل موعد مع انشقاق الصباح وأرجع عصراً . تلقيت الأمر بالعلاج في مستشفى الحرس بجدة .. تلك المستشفى الرائعة التي تصيب النفس بالحسرة عند مقارنتها مع الأخريات الحكومية . أذهب في أول الداوم ، ويتعرض ظهري للانبعاج لطول ما جلست على الكراسي الحديدية الباردة في نهارات ديسمبر انتظاراً للدخول للمواعيد . أجريت الفحوص تلو الفحوص للتأكد من سلامة جسدي من الأورام الأخرى ، فواحد يكفي بال
    في البداية ، كانت تلك الكتلة الغريبة في الثدي الأيسر .
    كتلة قاسية لا بأس بحجمها .. لابأس به على الإطلاق !
    أدخل يدي تحت قميصي ، أتحسسها بقلق لا مبالي ! لا يمكن أن يكون سرطاناً .. هذه أمور تحدث للآخرين فقط . وفي داخلي يهتف صوت ضعيف : وماذا لو كنتُ في هذه الحادثة بالذات من الآخرين؟
    مرت الأيام سريعة .. أَخرج لكل موعد مع انشقاق الصباح وأرجع عصراً .
    تلقيت الأمر بالعلاج في مستشفى الحرس بجدة .. تلك المستشفى الرائعة التي تصيب النفس بالحسرة عند مقارنتها مع الأخريات الحكومية .
    أذهب في أول الداوم ، ويتعرض ظهري للانبعاج لطول ما جلست على الكراسي الحديدية الباردة في نهارات ديسمبر انتظاراً للدخول للمواعيد .
    أجريت الفحوص تلو الفحوص للتأكد من سلامة جسدي من الأورام الأخرى ، فواحد يكفي بالتأكيد.
    أصعب ما في الأمر كان التعري ! هل ترونه محتملاً أن يمس هذا العضو رجل غريب ؟
    أن أعري القسم العلوي من جسدي لإجراء بعض الأشعات ، ولو كان أمام نساء مثلي ؟
    كنت أحمد الله مراراً وتكراراً على نعمة غطاء الوجه ، حيث كنت أرسم عليه شتى تعابير الحنق والخجل والضيق كلما دنا مني طبيب ليفحصني . وأخيراً .. تم تحديد يوم الكارثة .. يوم الكيماوي الأول .. 
    لنتجاوز كل التفاصيل الدقيقة ولْنَخض في الحدث. جلست على كرسي يشبه ذاك الذي يتوسط حجرة طبيب الأسنان .
    ترى ما سر الارتباط بين الرعب وهذه النوعية من الكراسي ؟
    دخلت علي الممرضة بكمامة وقفازات مطاطية ولباس ورقي يستر لباسها وبدأت في هدوء رتيب بمباشرة حقن العقار الأول من مركب AC .. العقار الذي يعرفه كل من تناوله باسم ( الأحمر) .
    أوه .. هذا الغثيان يعود لي مرة أخرى ، فقط بتذكر التفاصيل .
    قرأت كثيرا الليلة الماضية عن آثار هذا العقار في إحدى المواقع الأمريكية لإيماني بأن أفضل طريق لمواجهة المجهول أن تتعلم عنه شيئا . السرطان مرض غامض بالنسبة للكثيرين . مرض مرعب لأنه أُعطي أكبر من حجمه في الخوف منه .
    ألم تلحظ كيف يخشى الناس ذكر اسم " السرطان" صريحا كما يخشى البعض تسمية الجن ، فيسمونه "الخبيث " كما يسمون أولئك " بسم الله" ، كأنهم لو تلفظوا باسمه ، أصيبوا بالمرض ؟
    استرخيت في مقعدي وأصوات الجوع من بطني الخاوية تنادي ببعض الطعام ..
    يحدث للآخرين فقط ؟ يالك من بلهاء !
    جعلت أقلب ناظري في الحجرة : تلفاز معلق ، كرسي للمرافق ، طاولة الطعام ، وجهاز الحقن الوريدية .
    في الحجرة المجاورة رجل يئن ويتأوه ، وينادي يا الله .
    لوهلة سقط قلبي في أحشائي ، هل الكيماوي مؤلم لهذه الدرجة . تحركت شفتاي بالدعاء لهذا الرجل أن يعافيه الله ويرفع عنه ، وحاولت جاهدة أن أبعد أي تفكير سلبي عن ذهني ، فالآن حان وقت الإيجابية.
    لِم أُصبت بالمرض ؟
    ليس هناك أي سبب مادي يدعو إلى ذلك .. ليس المرض وراثياً عندنا ، ولست مدخنة ولا أتعاطى الكحول ، أرضعت سبعاً من الأبناء لفترات زمنية طويلة ، فما الخلل ؟
    إنها حكمة الله .. إنها أقدار الله ، وأقدار الله كلها خير .
    فما دامت أقدار الله كلها خير فعليّ الانتظار والصبر ، والبحث عن الإيجابيات ، إذ ليس هناك شر محض .
    طيلة حياتي أحب الأحداث المثيرة : أحب جو الاختبارات الفوضوي ، أحب سويعات الولادة حيث أنتظر مولوداً جديداً ، أحب السفر ، أحب أي شيء يحدث عندي بعضاً من تغيير الروتين .
    لا شك أن العلاج الكيماوي كان تغييرا للروتين ! تغييراً خارقاً ، دعني أؤكد لك !
    ولاشك أني بالعلاج الكيماوي أدركت كيف أن الروتين نعمة منسية .
    اختل التوازن في حياتي ، كل هذه السفريات من المدينة لجدة لإجراء الفحوصات والعلاجات ، كل هذا التبكير في الذهاب للمستشفى القابعة قريباً من مكة ، والمرور بكل هذه الحفريات وازدحام الصباح ، كل هذه الحقن أشاكُها ليجري الدواء الأحمر في عروقي بسلام .. كل ذلك كان خرقاً للروتين الحبيب والسلام النفسي الذي كنت أنعم به قبل شهرين فقط .
    صحوت من أفكاري على صوت الممرضة وهي تقوم بحقني بالعقار الثاني ، الشفاف هذه المرة .
    بدأ الغثيان يتلاعب بمؤخرة حلقي ، والنعاس يداعب أجفاني ، وفي داخلي شوق عظيم لأولادي الذين تركتهم في المدينة من عشرة أيام . اليوم سأعود إليهم إن شاء الله .
    جاهَدَت أمي كثيراً لكي تقنعني بالبقاء ، ولكني رفضت متعللة برغبتي في رؤية أولادي ، وفي الحقيقة فإني لم أشأ أن تراني متعبة بعد تناول الجرعة .
    أتراه أمراً يسيراً أن ترى الأم أحد أولادها مصاباً بهذا المرض المخيف ؟
    أجزم أنها تتمنى أن يصيبها المرض وتفتدي أولادها بنفسها .. فكيف لو كانت ابنتها الوحيدة ؟ فكيف لو كانت الصغرى ؟
    يكفيها صدمة إصابتي .. حتماً لا أريدها أن تراني متعبة ، لذا فقد فضلت السفر في نفس اليوم .
    رجعت إلى بيتي ، وسط تقافز أطفالي وحفاوتهم .رجعت وقد أنهك جسدي السفر ، ولكن في قلبي تصميم على المضي في التحدي . لِم يجب علينا أن نستسلم للمرض ؟ لِم علينا أن نغرق أنفسنا في المأساة ؟
    ألا يستقيم أن نصاب بمثل هذه الأمراض المخيفة ونتوكل على الله ونحسن الظن به ، ونفعل الأسباب وننتظر الفرج ؟ لاحظت أن السر وراء الكثير من مآسينا هو سوء ظننا بالله .
    ألم يقل الله تعالى في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء " ؟
    لماذا نفترض دائماً أن الله سيأتي بالسيء؟ كيف والله تعالى يرينا من أسمائه الرقيقة أضعاف ما يرينا من أسمائه القوية .
    أليس الأصل أنا نعيش في رحمة الله ، يغدق علينا من نعمه ، ونتقلب في ألطافه ؟
    أليس التعب والمرض و الحزن والجوائح أمورٌ عارضة ؟ فلماذا نسيئ الظن إذن ؟
    كنت أدرك أن الله تعالى سيشفيني . أحببت بلائي ، لأني أدرك جيداً عظم ذنوبي ، وقلة طاعاتي .
    كان هذا البلاء - لو صبرت - من المكفرات .
    لم أستطع أن أعتبر السرطان (عدواً) ، ولم أستطع أن أعتبرها (معركة) ، وإنما نظرت إليه على أنه جند من جنود الله يرسله حيث يشاء . ارتحت أكثر إلى هذه الفكرة ، فأقدار الله كلها خير . نعم هو ليس عدواً ، ولكن لا يجب عليّ أن استسلم . 
    عليّ أن أقاوم ، أن أحافظ على حياة طيبة وهانئة بالرغم من وجود المرض . عليّ أن أفتح عيني لأرى الكم الهائل من النعم التي أنعمها الله علي بهذا المرض .
    كنت قد قصصت شعري ليكون قصيرا جدا..
    نصيحة قرأتها في إحدى المواقع الأمريكية للسرطان : قصيه تجنبا للصدمة الكبرى !
    في أحد الأيام كنت أمرر يدي في شعري بعفوية حين لفت نظري أن كمية أكبر من اللازم من الشعر يتساقط .. خفق قلبي بعنف .. هل حان الوقت ؟ صار رأسي يؤلمني والشعر يزداد تساقطا .
    كان القرف يبلغ مني مبلغه حين أتوضأ وأمسح رأسي فتمتلئ كفاي بالشعر الأسود، فكنت أسارع بغسلهما دون أن أنظر .. الشعر في كل مكان .. في المغسلة ، في الأرض ، على المخدة ، في فم ابنتي شمس التي كانت تهرع الي باشمئزاز تطلب مني إزالته .
    الألم في رأسي يزداد حتى بت لا أستطيع أن ألبس الطرحة عند الخروج أو أريح رأسي على المخدة ..
    تعرفون كيف هو الألم ؟ ربما ستعرفه النساء فهن يجربن هذه الحركة كثيرا ..
    تعرفن -معاشر النساء- حركة الطاقية أو ما يُعرف بالحواية ؟؟ حين تقوم المرأة بلف الشعر كله إلى جهة واحدة حتى يجف ثم تقلبه للجهة الثانية . عملية القلب هذه مؤلمة نوعا ما لأنها تغير  اتجاه الشعر الذي شُدّ عليه في أول مرة ..
    حسن.. رأسي كله كان بهذا الألم ، أضف إلى ذلك حكة شديدة في الشعر ..
    يبدو أن الخلاص منه بات حتميا. نزلت الى جدة واستدعيت صديقتي لتقص لي شعري. حضرَت والأسى يقطر من عينيها حزنا ، وطلبت منها أن تحلق شعري بالكامل ، فهذا الألم ضايقني .
    في إحدى مقاطع اليوتيوب رأيت مذيعة أمريكية تحلق شعرها في حضرة صديقات ومقربين ، وجو البهجة (ظاهريا على الأقل ) يسودهم .. وددت لو استطعت أن أفعل الشيء ذاته ، ولكني أدركت أني لو فعلت لكان مأتما .. لا يزال قومي يرون السرطان وتوابعه مصيبة تستحق إقامة حفل عزاء قبل أن يموت المريض. فاكتفيت بإغلاق الباب بعيدا عن أنظار المشفقين .. وبدأ شعري الحبيب يتساقط على الأرض ، ومعه دموع صديقتي .. يا الله كم أكره هذه المواقف ..
    حين تشعر أن الجميع متعاطف معك وحزين عليك بشدة ولكنك مغمور بألطاف الله فلا ترى شيئا مما يرون ، فتضطر لتواسيهم في نفسك وكأنهم هم المرضى وأنت المعافى !
    وأخيرا .. النيولوك الجديد ! رأس أصلع لامرأة !
     
  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:20407
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:1699
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك