29
سبتمبر
  • العاشرة : ماذا ستنجزين اليوم ؟
  • المدون: الحياة الجديدة | كتب في: 29-09-2013
  • حينما يشخص مرض السرطان فإن ذلك يكون بمثابة النطق بحكم الإعدام عند الأكثر من الناس، فيبدأ المريض منذ تلك اللحظة بالذبول واعتزال الناس و الكلام وتوديع الحياة، وهو بذلك يساهم في الحقيقة دون أن يدري في إنهاء حياته بالفعل.  الاتجاه الجديد في رعاية مرض السرطان يلحظ أن العوامل النفسية والجسدية في الإنسان لا تفترق ولا تنعزل عن بعضها ، وإنما ترتبط جميعاً وبقوة في النظام العام للجسم . هذا يعني أن إرادتك للعيش تلعب دوراً كبيراً - بعد إرادة الله تعالى – في تماثل جسمك للشفاء . حين يصر المريض على العيش فإن هذا يعني أنه يريد أن يستمتع بالحياااة وأنه على استعداد للحصول على ما يمكنه من فوائد في كل يوم يمر عليه ، أما حين يعتزل الناس ويغشاه الهم والأسى فإنه يعطي لجسده رسائلة مخفية بأنه لا فائد
    حينما يشخص مرض السرطان فإن ذلك يكون بمثابة النطق بحكم الإعدام عند الأكثر من الناس، فيبدأ المريض منذ تلك اللحظة بالذبول واعتزال الناس و الكلام وتوديع الحياة، وهو بذلك يساهم في الحقيقة دون أن يدري في إنهاء حياته بالفعل. 
    الاتجاه الجديد في رعاية مرض السرطان يلحظ أن العوامل النفسية والجسدية في الإنسان لا تفترق ولا تنعزل عن بعضها ، وإنما ترتبط جميعاً وبقوة في النظام العام للجسم . هذا يعني أن إرادتك للعيش تلعب دوراً كبيراً - بعد إرادة الله تعالى – في تماثل جسمك للشفاء .
    حين يصر المريض على العيش فإن هذا يعني أنه يريد أن يستمتع بالحياااة وأنه على استعداد للحصول على ما يمكنه من فوائد في كل يوم يمر عليه ، أما حين يعتزل الناس ويغشاه الهم والأسى فإنه يعطي لجسده رسائلة مخفية بأنه لا فائدة من مقاومة المرض، فليستعد للفناء!
    حين مرضت كدت لوهلة أن استسلم.. ربما يكون ذلك رغبة في إحداث أكبر كمية ممكنة من ( الدراما) والشعور بالأسى والرغبة في الحصول على ملامح حزينة غائمة ، فبعض الناس يعتبرون ذلك رومانسية أخاذة ! 
    فلما انخرطت في مراحل العلاج المتعبة جداً بما فيها من آلام وانخفاض طاقة وغثيان مستمر،كل أولئك كان يجعلني أمرّ بفترة زهد في الحياة .. كنت أستلقي أحياناً إذا ما شعرت بتكالب الأمور عليّ ، فأسرح بفكري بعيداً وينطق ذهني دون لساني  : آآآآآه :
     ألا موت يباع فأشتريه .... فهذا العيش ما لا خير فيه
     ألا موت لذيذ الطعم يأتي يخلصني من العيش الكريه !!
    إلا أن الله تعالى تداركني بلطفه وكرمه وجعلني أكثر إيجابية ..
    أحسست أني أريد أن أعيش ..
    ليست الصحة الكاملة هي كل شيء ..
    هناك الكثير من متع الحياة ما تستحق أن أبذل بعض المجهود لأعيش من أجلها .
    من قال أني سأموت بالضرورة في هذا المرض؟ الموت بيد الله وحده .. وليس المرض هو الذي يميت، وإنما يميت انقضاء الأجل.. فماذا إذا لم ينقض أجلي بعد وظللتُ في هذه العيشة النكدة سنين طوال.. لماذا أعرّض نفسي وأحبتي إلى ضنك الحياة لمدة غير معلومة، في حين يمكنني أن أستمتع بكل دقيقة فيها وأُمتع من حولي حتى يحين الأجل المجهول؟
    عندها فكرت بعدة إنجازات تدخل على نفسي سروراً دورياً  ، وتشعرني بقيمة الحياة .
    أولها كتابي الذي صدر منذ قرابة السنتين ..
    كان يعجبني أن أصب كل مشاعري في تلك الحقبة على الورق .. ثم أعود فأقرأ ، وأطرب لما قرأت ..
    أحياناً أتعجب من نفسي كيف صدرت هذه الكلمات التي كتبتها أيام المحنة ، خاصة كلما  بعُد الزمان.
    كان كتابي إنجازاً عظيماً ، استمتعت في إعداده ، وفي تصوير غلافه ، وفي مراجعته ، وفي متابعة تطورات طباعته وتوزيعه ، وها أنا اليوم أستمتع كلما علق أحد أو أثنى أو مدح ..
     
    ثم قررت أن أعود إلى مقاعد الدراسة .. الدراسة التي أحبها منذ أن كنت في الابتدائية .. 
    كنت أقرأ دائماً أن أعضاء الجسم تكتسب قوتَها من تمرينها ، فكلما مرنت العضو على أداء عمله الذي خلقه الله له، قَوِيَ وصَقُل . ومن ذلك التمارين الهوائية cardio التي تنفع القلب جداً بحملها إياه على العمل بقوة لضخ الدم . لا ينفع القلبَ أبداً الجلوس بدعة واسترخاء ، بل إن ذلك قد يؤدي إلى تصلب الشرايين وحدوث الجلطات ، ولكن ما يفيده هو الحركة الكثيرة والمجهدة (باعتدال)  .
    وكذا الذهن .. بعد العلاج الكيماوي ، شعرت أن تروس عقلي قد علاها بعض الصدأ .
    صار تفكيري بطيئاً ، وقلَّ تركيزي جداً ، حتى أني لو لم أنطق بما في ذهني خلال خمس ثوان من تفكيري فيه لضاع فوراً ، ولا تسل عما حفظته من القرآن كيف اختفى في مكان ما من أدراج الذاكرة ، ربما تحت قميص أو جورب في أحد الأركان .
    ما كنت أعتقد أبداً أنه سيكون باستطاعتي استعادة قدراتي الدراسية القديمة ، ولكني حاولت متمسكة بشدة بحلمي الأول في إتمام دراستي الجامعية ، فأصبحت طالبة في سن جدتي بعد انقطاع دام 27 سنة.
    كنت أستمتع للغاية بشعور الإنجاز حينما أنهي تلخيص مسألة من عشرين صفحة في ورقتين ، أو أستظهر بعض الفقرات فأجدها لا زالت في مكانها بعد أسبوعين أو أكثر من حفظها .
    بدأت أشعر بشعور الرياضي ذي البطن المتهدلة وهو يرى عضلات بطنه تزداد صلابة بزيادة التمارين .
    كنت أشعر بالحياة تدب من جديد إلى عقلي ، وأن تروسه بدأت تدور بسلاسة أكبر ، وأن الصدأ آخذ بالانجلاء .
    كنت أستمتع بالتلخيص والأقلام الملونة ، والدفاتر الجميلة ..
    وفي آخر الفصل أجني ثمار  استمتاعي بمتعة عظمى : النجاح بتفوق.
    أقول لكم بثقة : جميل هو الإحساس بالإنجاز ..
    الإحساس باستعادة النشاط بعد الإغماء ..
    الإحساس بأنك حي ، وتؤدي دوراً  مفيداً في هذه الحياة .
     
    ثم قررت أن أحصل على الإجازة في القرآن ..
    أراجع أسبوعياً ستة أوجه من القرآن لأسمعها لشيختي بإتقان ..
    أستمتع وأنا أسمع صوتي يتغنى بالقرآن .. أحاول أن أقلد المشايخ الذين أحبهم ، وأطرب لذلك ، فتستوقفني شيختي وتأمرني بعدم الاسترسال في ذلك حتى أنهي القرآن متقناً ، وعندها فلأفعل ما يحلو لي.
    وتمضي السور والأجزاء ، وأفرح وأشعر أن لحياتي معنى وقيمة .
     
    تعلمت مبادئ التصوير الاحترافي ( وأنا التي كان عقلي ينغلق تلقائياً لأي كلام في التقنية ) فصرت أنتشي وأنا أقلب ناظري في مجموعة صوري بموقع انستغرام ، ساهمت في إنشاء مجتمع طهر لمرضى السرطان وقمت بترجمة العديد من المقالات التي تهتم بالسرطان من المواقع الأمريكية المعتمدة . زاولت رياضة  المشي يومياً ، استمتعت بركوب الدباب في البر ، والأدهى من ذلك أني ركبت القارب أخيراً . أنا التي كنت أرفض رفضاً قاطعاً ركوب القارب لخوفي الشديد من البحر وعدم اتقاني السباحة ، وأؤكد لكم أن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات في حياتي .. 
    أوّاه كم من المتع ضيعت على نفسي .
     
    ابحثِ أنتِ أيضاً عن إنجازات يومية أو أسبوعية لتشعري معها بالإيجابية ، ولتشعري أنك تريدين أن تعيشي وتعيشي بسعادة 
    لعلكِ تريدين أن تخفضِ وزنك ، فتشعرين بالإنجاز لتساقط الكيلوات ..
    لعلك تريدين أن تحافظ على لياقتك ، فتشعرين بالإنجاز حين لا تعود رجلاك تؤلماك بعد شهرين من المشي .
    ابحثِ ولن تَعدَمي فكرة تناسب ميولك وتطلعاتك ..
    وأقول لمن تستمع إلى كلماتي هذه لا تستسلمي !
    فإن كنتُ قد نجحت بفضل الله ، فبإمكانك أن تنجحِ أنتِ كذلك .
    فقط اكسرِ حاجز الرهبة وأقدمِ ، قد تتعثرين في أول الطريق عدة مرات ، ولكن من يتهيب صعود الجبال يظل أبداً بين الحفر ..ولا شك أن الجو في جبال أبها أجمل بكثير منه في منخفضات تهامة ..
    الآن أشعر بسعادة بالغة وأنا أحصد نتائج إنجازاتي المتواضعة :أسعد كلما وصلني تعليق يثني على كتابي، أو أقوم بتصوير صورة جميلة تلقى إعجاباً ، أو أنهي جزءاً متقناً من القرآن وتثني شيختي على أدائي، أو أفقد كيلاً من وزني بين الحين والآخر ، أو تشكرني إحدى المريضات على استشارة طبية سرطانية .. 
    بقي لي من الإنجازات ما أسأل الله أن يقر عيني به قبل أن ألقاه : أن يسلم بسببي وعلى يدي بعض الأشخاص ، أسمع شهادتهم بأذني ، وأمسح دموع الفرح بيديّ ، هنا أكون قد حققت الإنجاز الأعظم.
     
  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:8248
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:1442
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك